مهدي الفقيه ايماني
112
الإمام المهدي ( ع ) عند أهل السنة
الولي حدثني قلبي عن ربى وقد يترجم المترجم عن ألسنة الأحوال وليس من هذا الباب بل ذلك من باب آخر يرجع إلى عين الفهم بالأحوال وهو معلوم عند علماء الرسوم وعلى ذلك يخرجون قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ يقولون يعنى بلسان الحال وكذلك قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها فجعلوا هذه الاباية والاشفاق حالا لا حقيقة وكذلك قوله عنهما قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ قول حال لا قول خطاب وهذا كله ليس بصحيح ولا مراد في هذه الآيات بل الامر على ظاهره كما ورد هكذا يدركه أهل الكشف فإذا ترجموا من الموجودات فإنما يترجمون عما تخاطبهم به لا عن أحوالهم إذ لو نطقوا لقالوا هذا وأصحاب هذا القول انقسموا على قسمين فبعضهم يقول إن كان هذا وأمثاله نطقا حقيقة وكلاما فلا بد أن يخلق في هؤلاء الناطقين حياة وحينئذ يصح ان يكون حقيقة وجائز ان يخلق اللّه فيهم حياة ولكن لا علم لنا بذلك ان الامر وقع كما جوّزناه أو هو لسان حال فأما أصحاب ذاك القول فكذا وقع في نفس الامر لان كل ما سوى اللّه حىّ ناطق في نفس الامر فلا معنى للأحوال مع هذا عند أهل الكشف والوجود وأما القسم الآخر وهم الحكماء فقالوا ان هذا لسان حال ولا بدّ لأنه من المحال ان يحيا الجماد وهذا قول محجوب باكثف حجاب فما في العالم الا مترجم إذا ترجم عن حديث الهىّ فافهم ذلك * وأما تعيين المراتب لولاة الامر فهو العلم بما تستحقه كل مرتبة من المصالح التي خلقت لها فينظر صاحب هذا العلم في نفس الشخص الذي يريد ان يوليه ويرفع الميزان بينه وبين المرتبة فإذا رأى الاعتدال في الوزن من غير ترجيح لكفة المرتبة ولاه وان رجح الوالي فلا يضرّه وان رجحت كفة المرتبة عليه لم يوله لأنه ينقص عن علم ما رجحه به فيجوز بلا شك وهو أصل الجور في الولاة ومن المحال عندنا ان يعلم ويعدل عن حكم علمه جملة واحدة وهو جائز عند علماء الرسوم وعندنا هذا الجائز ليس بواقع في الوجود وهي مسألة صعبة ولهذا يكون المهدىّ يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعنى الأرض فان العلم عندنا يقتضى العمل ولا بد والا فليس بعلم وان ظهر بصورة علم والمراتب ثلاثة وهي التي ينفذ فيها حكم الحاكم وهي الدماء والاعراض والأموال فيعلم ما تطلبه كل مرتبة من الحكم الالهىّ المشروع وينظر في الناس فمن رأى أنه جمع ما تطلبه تلك المرتبة نظر في مزاج ذلك الجامع فان رآه يتصرّف تحت حكم العلم علم أنه عاقل فولاه وان رآه يحكم على علمه وأن علمه معه مقهور تحت حكم شهوته وسلطان هواه لم يوله مع علمه بالحكم قال بعض الملوك لبعض جلسائه من أهل الرأي والنظر الصحيح حين استشاره فقال له من ترى ان أولى أمور الناس فقال ولّ على أمور الناس رجلا عاقلا فان العاقل يستبرئ لنفسه فإن كان عالما حكم بما علم وان لم يكن عالما بتلك الواقعة ما حكمها حكم عليه عقله ان يسأل من يدرى الحكم الالهىّ المشروع في تلك النازلة فإذا عرفه حكم فيها فهذا فائدة العقل فان كثيرا ممن ينتمى إلى الدين والعلم الرسمىّ تحكم شهوتهم عليهم والعاقل ليس كذلك فان العقل يأبى الا الفضائل فإنه يقيد صاحبه عن التصرّف فيما لا ينبغي ولهذا سمى عقلا من العقال * وأما الرحمة في الغضب فلا يكون ذلك الا في الحدود المشروعة والتعزير وما عدا ذلك فغضب ليس فيه من الرحمة شئ ولذلك قال أبو يزيد بطشى أشدّ لما سمع القارئ يقرأ ان بطش ربك لشديد فان الانسان إذا غضب لنفسه فلا يتضمن ذلك الغضب رحمة بوجه وإذا غضب للّه فغضبه غضب اللّه وغضب اللّه لا يخلص عن رحمة الهية تشوبه فغضبه في الدنيا ما نصبه من الحدود والتعزيرات وغضبه في الآخرة ما يقيم من الحدود على من يدخل النار فهو وان كان غضبا فهو تطهير لما شابه من الرحمة في الدنيا والآخرة لان الرحمة لما سبقت الغضب في الوجود عمت الكون كله ووسعت كل شئ فلما جاء الغضب في الوجود وجد الرحمة قد سبقته ولا بد من وجوده فكان مع الرحمة كالماء مع اللبن إذا شابه وخالطه فلم يخلص الماء من اللبن كذلك لم يخلص الغضب من الرحمة فحكمت على الغضب لأنها صاحبة المحل فينتهى غضب اللّه في المغضوب عليهم ورحمة اللّه لا تنتهى فهذا المهدى لا يغضب الا للّه فلا يتعدى في غضبه إقامة حدود اللّه التي شرعها بخلاف من يغضب لهواه ومخالفة غرضه فمثل هذا الذي يغضب للّه لا يمكن ان يكون الا عادلا ومقسطا لا جائرا ولا قاسطا وعلامة من يدعى هذا المقام إذا غضب للّه وكان حاكما وأقام الحد على المغصوب عليه يزول عنه الغضب على ذلك الشخص عند الفراغ منه